أندريه شوراكي، أو ترجمة الكتاب المقدس في ضوء السيرة الذاتية
تتتبع فرانسين كاوفمان، الأستاذة في جامعة بار إيلان، المسار الشخصي والفكري الذي قاد أندريه شوراكي إلى ترجمة النصوص المؤسِّسة للأديان التوحيدية الكبرى الثلاثة.
لا يولد المترجمون مترجمين، بل يصيرون كذلك. يبلغون الترجمة عبر دروب غريبة ملتوية، تختلط فيها السيرة الشخصية بالتاريخ العام، وبالظروف، وبحبّ مفرط للكلمات وللحوار وللتواصل بين الناس وبين الشعوب. ولكن أيّ اجتماع غريب للظروف يدفع إنسانًا إلى ترجمة النصوص المؤسِّسة للأديان التوحيدية الكبرى الثلاثة، وإلى أن يوقّع «كتاب شوراكي المقدس» وترجمة فرنسية معاصرة للقرآن؟ يمكن محاولة التفسير بعد وقوع الأمر، حين يكون الجزء الأكبر من العمل قد أُنجز. فسيرة ذاتية ضخمة بعنوان «الحب قوي كالموت» (L’amour fort comme la mort، روبير لافون، 1990، 516 صفحة) تكمل نظرة استعادية أولى على مسار حياة مضطرب، كان قد قدّمها في مقدمة الطبعة الجديدة لترجمته كتاب «واجبات القلوب» لبحيا بن باقودا (ديكليه دو بروفر، 1950/1972). وكان الكاتب قد نشر عام 1979 حصيلة أولى لمسيرته في كتاب «ما أؤمن به» (Ce que je crois، دار غراسيه).
بالطبع لا تفسّر السيرة كل شيء. ولو كانت تفسّر كل شيء، لبلغ «بالضرورة» كثيرون ممن يعيشون بين ثقافات ولغات وأديان متعددة ويمرّون بتقلبات التاريخ نفسها إنجازاتٍ كإنجازات أندريه شوراكي. لا يستطيع المنهج القائم على السيرة أن يقدّم «براهين» علمية، لكنه يستطيع أن يكشف التيارات الكبرى في حياة ما، وقطائعها وتحولاتها، والخلفية التي اتخذ فيها هذا الرجل الاستثنائي خياراته وواصل عمله. وقد سمّاه أحد أصدقائه «الرجل الذي يعبر الجدران بين الأديان».
لا يمكن فهم ترجمات أندريه شوراكي وتقديرها حق قدرها إلا إذا أدركنا أنه كان شاعرًا وعالمًا في آنٍ معًا، يجمع دقة رجل القانون وروحانية المتصوف. درس في معهد حاخامي وتلقى تكوينًا في علم اللغة. وكان مؤرخًا، ورجل عمل ميداني، ورحّالة جاب العالم خدمةً للحوار بين الأديان، وسفيرًا غير رسمي للثقافة اليهودية ولتجددها في إسرائيل. وفي خضمّ نشاطاته ولقاءاته ومحاضراته وأسفاره التي لا تنقطع، كان الكاتب يشعر دائمًا بالحاجة إلى التوقف والانعزال، ليواجه وحدة الصفحة البيضاء في انضباط الخلوة. وقد كانت تلك الخلوات مثمرة، إذ أتاحت للطبقات المتعاقبة من عمله مترجمًا أن تتشكل.
إن الأماكن التي وُلد فيها «كتاب شوراكي المقدس» لا تقل أهمية عن الزمن المضطرب الذي نضج فيه. هناك طفولته الجزائرية، وأسفاره الأولى إلى الصحراء، وإقامته في واحة ورقلة عام 1940. وهناك عزلته القسرية في جبال اللوار الأعلى والأرديش الوعرة، أرض المقاومة ومعقل البروتستانتية، حيث ترجم بحيا بين عمليتين من عمليات المقاومة من 1942 إلى 1945. وفي عام 1954 أقام في صومعة في محبسة الدومينيكان في سانت بوم، المكرّسة لمريم المجدلية والمطلة على بروفانس، ليعمل على إحدى أولى ترجماته الكتابية: المزامير. ثم في إسرائيل، اعتكف في دار ضيافة دير اللطرون السيسترسي ليُعدّ طبعة «العالم الكتابي» (L’Univers biblique).
وفوق ذلك كله، بعد أن استقر في منزله في أبو طور بالقدس عام 1964، التزم بروتين منضبط في الكتابة بالحبر الأسود في مكتبه. كانت نافذته الواسعة تطل على سماء رحبة وعلى منظر مكشوف لأسوار البلدة القديمة. كانت القدس صوفية ونثرية في آن، مدينة عند ملتقى الشرق والغرب، مدينة الأديان التوحيدية الثلاثة. ومن مكتبه كان المترجم يرى أبراج أجراس الكنائس والمآذن والقبة الذهبية لـ«مسجد عمر» المطلة على الحائط الغربي لهيكل هيرودس.
سنوات التكوين
أ. طفولة متعددة اللغات
غذّت الألفةُ المبكرة بأديان الكتاب الكبرى الثلاثة، وتوترُ هويةٍ ثلاثية يهودية وجزائرية وفرنسية، حياةَ أندريه شوراكي وأعماله. وُلد في 11 أغسطس 1917، على بعد ثلاثة كيلومترات من البحر المتوسط، في بلدة عين تموشنت الصغيرة غرب الجزائر قرب وهران. ومنذ المهد تشرّب إيقاعات الحضارات المحيطة به، وكل واحدة منها تحمل ثقافتها عبر لغتها: العبرية واليهودية، والفرنسية والمسيحية، والعربية والإسلامية. وخلافًا لما أقترحه في مطلع هذا المقال، «لا يولد المترجمون مترجمين، بل يصيرون كذلك»، كان أندريه شوراكي يرى رسالته أمرًا وُلد به بوضوح:
«يولد المرء مترجمًا كما يولد شاعرًا. لم أقرر يومًا أن أصبح مترجمًا. كنت كذلك منذ طفولتي الأولى، بين أناس يكلمونني أو يربّونني باللغات الأربع أو الخمس التي كانوا يستعملونها. وهكذا اكتسب دماغي “شريحة”، بلغة أهل المعلوماتية، خدمتني طوال حياتي.» (الحب قوي كالموت، ص 459)
كانت الأحوال اللغوية في عين تموشنت مثالية فعلًا لكل من يحب اللغات. في الشارع ومع جدّيه كان أندريه يتكلم العربية. وفي المدرسة ومع والديه وإخوته وأخواته كان يتكلم الفرنسية. وكان يتحدث بالإسبانية مع أنيتا، الخادمة الشابة في البيت. وفي الكنيس كانت العبرية والآرامية سائدتين في العبادة والدراسة. بالنسبة إلى كثيرين ممن وُلدوا في بيئة متعددة اللغات، تكون النتيجة عمومًا كارثية: لا تكون أي لغة لغتهم الأم حقًا، ويصبح الكلام، والكتابة أكثر منه، نوعًا من اللغة الهجينة، خليطًا غير واعٍ من كلمات وتعابير مستعارة تارة من لغة وتارة من أخرى. أما للموهوبين أو لأصحاب الفضول فحسب، فالتعدد اللغوي مصدر ثراء استثنائي:
«كانت إحدى هواياتي المفضلة البحث عن التطابقات بين كلمات من الأسرة نفسها في اللغات التي يتكلمها من حولي، العبرية والعربية، والفرنسية والإسبانية. […] وهكذا بدأ كنز من الكلمات يتراكم في ذاكرتي، وكانت ذاكرة جيدة ومنظمة…» (المرجع نفسه، ص 454)
كانت الأداة إذن في متناول اليد، وازدادت شحذًا مع الزمن. لكنها وحدها لا تفسّر الرسالة، فضلًا عن أن تفسّر المسار الروحي الذي أنجب ترجمات ثلاثة كتب مقدسة.
ب. اكتشاف الكتاب المقدس
في البدء كانت التوراة العبرية وصوت كلماتها، يسمعها في الكنيس وفي «تلمود توراه» منذ سن الثالثة، ويرددها من الذاكرة قبل أن يفهم معناها. غير أن المنافسة مع الثقافة الفرنسية العلمانية التي تلقّنها في الثانوية كانت غير متكافئة. وقد شكّل البار ميتسفا لأندريه شوراكي، الذي احتُفل به في الكنيس الكبير في عين تموشنت صيف 1929، آخر رابط رسمي له بالتقليد اليهودي. ظل يصوم يوم الغفران ويمتنع عن أكل الخبز في عيد الفصح. وفي كل ما عدا ذلك صار تلميذًا فرنسيًا تمامًا. احتفظ ببعض الصلات بالشرق عبر دروس اللغة العربية وقواعدها في ثانوية وهران. لكن الأدب الغربي صار شغفه، فكان في العطل الصيفية يقرأ كل ما يقع بين يديه من روائيين وشعراء، مع ميل خاص إلى الرومانسيين. أما الله فقد أُقصي إلى خزانة اللوازم المسرحية.
جاء لقاؤه الأول، بالغًا، بكتاب أجداده المقدس عبر طريق ملتوٍ، وطريق مسيحي. ففي صيف 1934، بين جزأي امتحان البكالوريا، ذهب أندريه شوراكي إلى فرنسا لإجراء جراحة في الكاحل خففت جزئيًا إعاقة سببها له شلل الأطفال في السابعة. وكانت المصحة التي استقبلته في كوربفوا تديرها جمعية خيرية بروتستانتية. فعرّفته ممرضتان شابتان، كانتا تنويان خدمة الله في بعثات في أفريقيا أو أوقيانوسيا، على الكتاب المقدس في ترجمة لوي سيغون البروتستانتية، وأشركتاه في نقاشات طويلة، ثم في مراسلات، حول الله والحقائق الروحية.
في نوفمبر 1935 بدأ دراسته في كلية الحقوق في شارع سوفلو بباريس. وفي الوقت نفسه استأنف مترجم الأناجيل المستقبلي حواره مع كبرى الممرضتين، إيفون، ابنة أخ قسّ بروتستانتي من السيفين. وعلى مدى قرابة ثلاث سنوات حدّثته عن إيمانها وفتحت له أعماق الحياة الروحية، آملةً أن تحمله على اعتناق البروتستانتية. وفي تلك الأثناء اعتاد أندريه مرافقة أحد أساتذته في الحقوق إلى قداس الأحد للاستماع إلى عازف الأرغن في نوتردام. وبعد الحفل كثيرًا ما كان يبقى للصلاة في صمت صحن الكاتدرائية. اهتز إلحاده بعمق وهو يكتشف حضارة لم يعرفها، في أحسن الأحوال، إلا من الكتب:
«الكاتدرائيات والكنائس والموسيقى الدينية والفن المسيحي والأديرة والصوامع […] يا لها من صدمة للبربري الصغير الذي كنته، الخارج لتوّه من صحاريه الاستعمارية.» (ص 126)
شكّل لقاؤه بالقسّ لوي داليير في يوليو 1936 منعطفًا. فلأول مرة كان مسيحيٌّ، بدل أن يحاول تنصيره، يحدّثه عن الرسالة المسيانية لشعب إسرائيل، ويدين بعبارات قاطعة معاداة السامية المسيحية والدعاية النازية التي كانت منذ 1933 تجعل من اليهود منبوذين. وقد أعيد توجيهه إلى جذوره، واقتنع نهائيًا بعد «إشراقة» في جبال الألب العليا في فبراير 1937 بأن «الله موجود»، وأدرك مدى بُعد الكتاب المقدس الذي يقرؤه ويتأمل فيه بالفرنسية عن الأصل العبري، فقرر أندريه أن يدرس تراثه.
«كنت يهوديًا، ولم أكن أعرف بوضوح ما الذي قد يعنيه ذلك. أن يريد هتلر اضطهادي، بل وقتلي لهذا السبب، كان حقيقة بديهية لا قدرة لي على تغييرها. أما ما كنت أستطيعه على الأقل فهو أن أعرف لماذا يحدث هذا الأمر الذي يهدد وجودي ذاته.» (ص 157)
في باريس، وصله أندريه زاوي، زميله السابق في ثانوية وهران، بالمعهد الحاخامي الفرنسي وأعطاه دروسه الأولى في العبرية. لم يكن أندريه شوراكي ينوي قط أن يصبح حاخامًا، لكنه منذ ذلك الحين تابع بالتوازي دراسات قانونية ويهودية، أولًا في باريس ثم في الخفاء. وبين 1937 و1939 نال إجازة الحقوق ثم دبلوم الدراسات العليا في القانون. وواصل دراسة العبرية والتوراة العبرية وتفاسيرها مع جورج فايدا، والتلمود والآرامية مع أبراهام باك، في المعهد الحاخامي والسوربون ومدرسة الدراسات العليا.
«كانت دراساتي القانونية لا تقدّر بثمن في غرس الحرص على الوضوح في التعبير عن الأفكار. أما اللغات السامية التي علّمني إياها أساتذتي في السوربون وفي المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، وأكثر من ذلك في المعهد الحاخامي الفرنسي، فقد فتحت ذهني على ثقافات الشرق.» (الحب قوي كالموت، ص 454)
ج. سنوات الحرب
كان الطالب الشاب القادم من شمال أفريقيا يمضي كل صيف في الجزائر ويعود إلى فرنسا كل خريف، حتى بعد اندلاع الحرب. وتبع المعهد الحاخامي حين انتقل إلى فيشي ثم إلى كليرمون فيران. وقد شجّعت إعادة اكتشافه للشرق، بالتجربة كما بالكتب، «عودته إلى اليهودية». كانت يهوديته أقرب إلى يهودية العبرانيين القدامى ومتصوفة القرون الوسطى منها إلى التقليد التلمودي، شكلًا من الحياة الدينية تقلّصت فيه الشعائر إلى الحد الأدنى. ولم تقطع عودته صلاته بالحضارات التوحيدية الأخرى. فحبه لفتاتين كاثوليكيتين على التوالي، مادلين التي التقاها مطلع 1938، ثم ابنة عمها كوليت التي عرّفته عليها مادلين أواخر 1939، أدخله أعمق في العالم الروحي المتطلب للإيمان والعقيدة والعقائد المسيحية.
في مطلع 1940 أمضى عدة أشهر في الصحراء، في واحة ورقلة، حيث كان أخوه شارل يؤدي الخدمة العسكرية. وقبل أن يعلّم القاضي، القاضي المسلم، اللغة الفرنسية مقابل دروس في القرآن والعربية. وستخدمه هذه الدروس بعد خمس سنوات حين نال في كلية الجزائر دبلومًا عاليًا في الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية. وفي واحة أخرى، غرداية، رأى الإباضية، وهم فرقة إسلامية، والآباء البيض، وجماعة يهودية من ثلاثة آلاف نسمة يعيشون جنبًا إلى جنب رغم التوترات. وقد منحته الجماعة اليهودية تصورًا لما قد تكون عليه الحياة اليومية ليهود الشرق الكتابي في زمن المشناه.
عاد إلى فرنسا في مايو 1940، وبعد شهر اضطر إلى الفرار من باريس حاملًا كوليت على دراجته. شهد القصف الألماني لأورليان وعاد إلى الجزائر، حيث سجّل في نقابة المحامين في وهران وبدأ تدريبه لدى نقيب. وفي ديسمبر تزوج كوليت التي كانت قد اعتنقت اليهودية في الأثناء. وبعد التشريعات المعادية لليهود وإلغاء مرسوم كريميو، وقبل أن تصدر حكومة فيشي في 20 أكتوبر 1941 «قانون اليهود» الذي أقصاهم عن معظم المهن، بادر أندريه إلى الاستقالة في يونيو 1941. وكان والداه قد أُفلسا.
في تلك الفترة، وبمساعدة الحاخام إسحاق روش، نائب الحاخام الأكبر لوهران دافيد أشكنازي، والد ليون المعروف بمانيتو، شرع أندريه في ترجمة «واجبات القلوب». كتب هذا المؤلَّف بالعربية بحيا بن باقودا، أحد كبار المفكرين اليهود في إسبانيا القرن الحادي عشر. ويحفل الكتاب بآيات من التوراة، فكان أول لقاء لشوراكي بصعوبات ترجمة الكتاب المقدس. وألقى محاضرته العامة الأولى بعنوان «كيف ينبغي أن نقرأ الكتاب المقدس؟» أمام جمع صغير من المثقفين اليهود في وهران كانت قوانين فيشي قد حرمتهم من العمل. كان في الرابعة والعشرين. وكانت الأسئلة المحورية ومعظم موضوعات ترجماته الكتابية المقبلة حاضرة في تلك المحاضرة في صورة جنينية.
في 20 يونيو 1942 ضرب قانون تمييزي جديد يهود فرنسا. وفي يوليو جاءت حملة الاعتقال وترحيل اليهود والألزاسيين من جامعة ستراسبورغ التي نُقلت إلى كليرمون فيران، وفي 8 يوليو طُرد اليهود من المدينة. فُكّك المعهد الحاخامي وتشتت صفوفه. لجأ أندريه وكوليت إلى شومارجيه، على بعد أربعة كيلومترات من لو شامبون سور لينيون. وهناك تواصل مع شبكات المقاومة الناشئة وأصبح ممثل منظمة OSE لإنقاذ الأطفال اليهود في اللوار الأعلى والأرديش. وعلى مدى أكثر من عامين تنقل من قرية إلى قرية يخبئ الأطفال ويستخرج أوراقًا مزورة للاجئين المهددين بالترحيل. وشهد قساوسة بروتستانت وقرى بأكملها يجسدون التضامن في زمن كان اليهود يُطارَدون فيه في أنحاء فرنسا.
وجد حُماته في لو شامبون وظيفة تدريس ومسكنًا مضيافًا لأستاذه جورج فايدا، الذي استقر على بعد بضعة كيلومترات من آل شوراكي. وكان الرجلان يخصصان كل يوم ساعات لشغفهما المشترك: الكتاب المقدس وبحيا بن باقودا. وكان فايدا، أحد أبرز المتخصصين في القرون الوسطى في عصره وعالمًا بارزًا في العبرية والعربية، يُعدّ كتابًا عن اللاهوتي اليهودي الوسيط الذي تغنّى بمحبة الله، وسيصدر عام 1956. وأتمّ شوراكي الترجمة التي بدأها في وهران. وصدر «واجبات القلوب» لبحيا عام 1950 بتقديم من فايدا.
«شرعت في ترجمة “واجبات القلوب” لأنه لم يكن ممكنًا لي في ذلك الوقت، في مخابئ المقاومة، أي عمل فكري آخر. يتضمن الكتاب مقاطع كثيرة من الكتاب المقدس. فكان عليّ، لاستعمالي الخاص، أن أصوغ المشكلات التي تطرحها ترجمة النصوص الكتابية وأن أبتكر منهجًا لمعالجتها. ومن دون أن أدري كنت قد سلكت الطريق الذي سيقودني إلى ترجمة الكتاب المقدس والعهد الجديد والقرآن. ولم تكد حياتي كلها تكفي لهذا العمل.» (الحب قوي كالموت، ص 459)
بعد بحيا بن باقودا، ترجم وشرح القصيدة الصوفية «تاج المُلك» لسليمان بن جبيرول (Revue Thomiste، 1952، وأعادت دار فاتا مورغانا نشرها عام 1996). ثم ترجم نصين كتابيين تركا أثرًا عميقًا بوجه خاص في التاريخ الأدبي والحياة الروحية: نشيد الأنشاد (1951) والمزامير (1955). ونالت هذه الترجمات إعجاب الجمهور على الفور. كانت واضحة ومكتوبة بفرنسية مرنة أدبية. ولم يكن في هذه المرحلة يسعى بعدُ إلى قلب أعراف الترجمة التقليدية.
تتيح لنا سنوات التكوين هذه، التي وسمتها الحرب، أن نتتبع التطور الفكري والبحث الروحي لرجل جمع صرامة الأكاديمي ورجل القانون الفرنسي وانضباطه الديكارتي، وهو الحاصل على دكتوراه الدولة من كلية الحقوق في باريس، إلى تحليق الشعر ومتطلبات المتصوفة الحقيقيين. أما ديوانه الشعري الأول «نشيد لنتنائيل» (Cantique pour Nathanaël)، الصادر عام 1957، فيستبق، في أعقاب مذبحة الشواه، صعود الفرد من الظلمات والهاوية نحو النور. ويستبق كذلك مصالحة البشر فيما بينهم، «التي لا يمكن أن تتحقق إلا بمصالحة الإنسانية مع كينونة الكائن». ويتتبع شعره الغنائي المسار الشخصي لنتنائيل، أي أندريه نتان شوراكي.
كان حذرًا من الأيديولوجيات نافرًا من التعصب، فانفتح على تقاليد روحية من كل نوع، من دون أن يتنكر يومًا لأي جزء من هويته اليهودية. ولا عجب أنه صار لاحقًا من أوائل دعاة الصداقة اليهودية المسيحية والحوار الإسرائيلي العربي، إضافة إلى انفتاحه على أديان آسيا وأفريقيا. ونكتشف قبل كل شيء رجلًا يرى في الكتاب المقدس كتابًا حيًا، يخاطب الحاضر والناس جميعًا. وهو أيضًا كتاب يسعى شوراكي إلى كشف أسراره متسلحًا بالأدوات اللازمة: علم اللغة والتفسير وتاريخ الأديان. ويجمع منهجه بين المحبة والنقد العلمي.
د. على طريق القدس
في نوفمبر 1947 عيّنه رينيه كاسان، الذي تعرّف إليه شوراكي بعد الحرب، أمينًا عامًا مساعدًا لـ«الأليانس الإسرائيلية العالمية»، وهو منصب شغله حتى 1952. وحين أراد أندريه، الذي لم يكن يشعر بأنه مهيأ للأعمال الإدارية، أن يستقيل، استحدث له كاسان منصب المندوب الدائم للأليانس، فأتاح له التفرغ ستة أشهر في السنة لعمله العلمي والأدبي حيثما اختار أن يعيش.
بين 1950 و1957 أوفدت الأليانس أندريه شوراكي إلى إسرائيل مرات عديدة لإرساء أسس شبكة من المدارس ولجان الدعم. وقد بهره لقاؤه الأول بالقدس في أغسطس 1950. ونضجت تدريجيًا رغبته في الاستقرار في إسرائيل، فاتخذ القرار عام 1956 ونفّذه عام 1958. وكان من الممكن تمامًا أداء مهامه ممثلًا دائمًا للأليانس من عاصمة الدولة اليهودية التي كرّس لها أطروحة الدكتوراه عام 1948.
وكانت هناك أنيت ليفي، الشابة اليهودية ذات الأصل الألزاسي التي التقاها في باريس قبل بضع سنوات والتي كانت تحلم بالعيش في إسرائيل. أمضيا معًا صيف 1957 في كيبوتس في الجليل. وفي 1958 ذهبا إلى القدس ليتزوجا. وبعد أن أمضيا أشهرًا في تعلّم التحدث بالعبرية الحديثة في «أولبان عكيفا» قرب نتانيا، اتخذا القدس موطنًا دائمًا. كان المترجم الكتابي يتكلم بتعثر، تعيقه إلى حد ما معرفته الكتبية بعبرية الأنبياء. وفي 1961 حصل على الجنسية الإسرائيلية من دون أن يفقد جنسيته الفرنسية. وفي القدس اشترى الزوجان في النهاية قطعة أرض في شارع عين روغيل، أسفل حي أبو طور ومقابل الحدود الأردنية. وفي 1964 انتقلا إلى المنزل الذي بنياه هناك، والذي كانا لا يزالان يقيمان فيه وقت كتابة هذا النص. وأسهم أبناؤهما الخمسة، المولودون بين 1959 و1968، في تجذّرهما الراسخ إسرائيليَّين.
ترجمة الكتاب المقدس
في إسرائيل كفّ الكتاب المقدس ولغته ومشاهده عن أن تكون أشياء معروفة من الكتب، وصارت واقعًا حيًا ملموسًا:
«تجددت قراءتي للكتاب المقدس. صرت أفهم أفضل نصوصًا كنت قد ترجمتها وأحفظها عن ظهر قلب، كأن حجابًا معتمًا سقط عن عيني. صارت عيناي تُبصران بدقة أكبر، ونظرتي أحدّ، وقراءتي أوضح.» (الحب قوي كالموت، ص 460)
وحين طلب منه جاك ديشانيل عام 1972 أن يترجم الكتاب المقدس لدار ديكليه دو بروفر، وافق. وكان قبل واحد وعشرين عامًا قد رفض عرضًا مشابهًا من جاك مادول:
«شعرت بأنني قادر على القبول. أدركت أن كل شيء منذ مراهقتي، بل منذ طفولتي، كان يعدّني، بوعي أو من دونه، لهذا العمل. لقد نضجت الثمرة التي أحملها، وحان وقت قطافها.» (ص 460)
«كنت إذن أستعد لهذا العمل طوال حياتي، وكان جاهزًا ليولد. لم يبقَ عليّ إلا أن أنكبّ على العمل وأخرجه إلى النور.» (ص 461)
في ثمانية وعشرين شهرًا، من 10 أبريل 1972 إلى 14 أغسطس 1974، كتب أندريه شوراكي بخط يده وبالحبر الأسود المسودة الأولى لأول ترجمة كاملة له لأقسام التوراة العبرية الثلاثة — أسفار موسى الخمسة والأنبياء والكتب — وللأناجيل الأربعة التي سمّاها «البشارات الأربع» (Les Quatre Annonces). وترجم وحده، في ما يزيد قليلًا على عامين، نصوصًا نضجت في الشرق على مدى أكثر من ألفية وشكّلت الوعي اليهودي المسيحي للغرب. وأبرز وحدتها العميقة، ولا سيما بترجمة مفرداتها السامية المشتركة ترجمةً متسقة.
«لم تكن ترجمة التوراة العبرية، كما قلت، قرارًا متعمدًا مني. لقد فرض المشروع نفسه عليّ، وحين حان الوقت تدفقت ترجمتي من قلمي خلال الأشهر الثمانية والعشرين التي كتبت فيها المسودة الأولى، كأنني في حالة وجد.» (ص 463)
وبعد طباعة المخطوطات على الآلة الكاتبة، في زمن سبق الحواسيب الشخصية، كانت تُرسل إلى متخصصين يراجعونها ويضيفون الحواشي ويبدون انتقاداتهم. فيعود شوراكي إلى النص ويراجعه ويرسله إلى متخصصين آخرين ويُدخل عليه تعديلات جديدة. ثم صدرت النسخة الأولى من توراته العبرية وعهده الجديد في ستة وعشرين مجلدًا بين 1974 و1977. نُشر النص وحده، من دون تعليق. واتبع تقسيمه إلى مجلدات وإصحاحات وآيات العرف الماسوري، وعادت العناوين إلى تلك المستعملة في التقليد العبري: مجلد لسفر التكوين صار اسمه «في الرأس» (Entête، بريشيت)، وآخر لسفر الخروج «الأسماء» (Les Noms، شموت)، وهكذا.
وفي الوقت نفسه نشر «الحياة اليومية لرجال الكتاب المقدس» (1978)، الذي أعاد فيه صياغة كتابه الصادر عام 1971 «الحياة اليومية للعبرانيين في زمن الكتاب المقدس» ووسّعه. وانظر أيضًا «موسى» (إيديسيون دو روشيه، 1995)، الذي نال جائزة المتوسط. وعرض عقيدته في «ما أؤمن به» (1979)، الصادر ضمن سلسلة دار غراسيه بالاسم نفسه، حيث يرسم بإيجاز أربع مراحل أساسية في نضج عمله الكبير:
«استولى عليّ شغف الترجمة طفلًا في كنيسنا في عين تموشنت، حيث كنت أحاول إدراك معنى التوراة العبرية وصلواتنا بمتابعتها في طبعات ثنائية اللغة. وفي المراهقة كانت الترجمة تعني بلوغ قلب الإرث الموروث الذي كان والداي يحاولان نقله إليّ. ثم جاء زمن كنت أقارن فيه ما أفهمه من النص بما تقوله الترجمات. فكنت أعيد لنفسي معاني الكلمات وتناغم الإيقاعات كما كانت ترنّ في رأسي، رأس عبراني صاغته الثقافة الفرنسية صياغة تامة. هكذا وُلدت ترجماتي لـ“واجبات القلوب” لبحيا، ولنشيد الأنشاد، وللمزامير. وربما كانت رسالتي مترجمًا ستتوقف عند هذا الحد لو لم آتِ لأستقر في القدس. صار مشروعي في ترجمة الكتاب المقدس قابلًا للتحقق. كانت تحت قدمي أرض، أرض الأنبياء والرسل، وصار بإمكاني أن أحاور الكتاب المقدس باللغة التي كُتب بها.» (ما أؤمن به، ص 248–249)
كانت رسالة أندريه شوراكي إذن ثمرة تطور بطيء، حملٍ دام أربعين عامًا وبلغ تمامه بعد «ثورة» في كيانه ذاته. واتخذ فعل الترجمة وظائف مختلفة مع تقدم بحثه. كان بحثًا روحيًا، وكان أيضًا بحثًا عن الهوية لدى «مُستعمَر» بلا مكان، تمتد جذوره في آن واحد إلى ثلاث قارات، أفريقيا وأوروبا وآسيا، ولم تكن أيّ منها وطنه حقًا:
«إن الحرج من الانتماء إلى ثلاثة عوالم مختلفة اختلاف الجزائر المسلمة وفرنسا المسيحية وإسرائيل زاد من حاجتي إلى البحث عن هويتي، ومن ورائي عن هوية الإنسان كله، الإنسان المجرد، وعن الكينونة التي تؤسس الوجود الإنساني.» (الحب قوي كالموت، ص 456)
إن التقاء أداةٍ، هي التعدد اللغوي، ببحث روحي عن الهوية وليد الظروف والتاريخ، قاد أندريه شوراكي إلى قراءة النصوص المؤسِّسة للأديان الكبرى الثلاثة وإعادة قراءتها. لم يكفّ قط عن محاورة تلك العقائد، وتوّجت ألفته المتزايدة بها في النهاية بترجمة كانت ذروة عمله. وقد أعاد النظر في الترجمة نفسها مرة بعد مرة، ليواكب المجرى المتعرج للحياة والفكر، اللذين لا يكفّان عن إدهاشنا وزعزعتنا…
ولكن تلك قصة أخرى.
أُنجزت الترجمات بمساعدة الذكاء الاصطناعي ورُوجعت للتحقق من دقتها.

يظهر نصف الشيكل على غلاف «كتاب شوراكي المقدس»